نتكلم عن مصر كأنها هذا الشخص أو ذاك. بينما مصر هي واقع و تراكمات و سياسات و مشاكل و منافسات في كل شيء. و لا أدري لماذا نختزل الحقيقة.

هذا لا تفعله البلاد التي تبحث عن مخرج من مآزقها.

من كثرة ما نردد تجدنا نظن أننا نعرف كل المشاكل و كل الحلول و تبقي النيات الحسنة؟ بينما أن الحقيقة ليست واضحة تماماً هكذا.

تحت الستار تجري أحداث نسمع عنها فيما بعد.

وإتفاقات وتحالفات وتربيطات. لا شيء واضح كما نظن.

في الإقتصاد تصدر القرارات و القوانين التي تحقق مصلحة خاصة ( كما في موضوع الحزام و مثلث المرور و شنطة الإسعاف )

و في السياسة القوانين تصدر لصالح حزب أو مسئول .و هذا نكتشفه فيما بعد . و كل الذين يشتكون الآن الدستور و المادة 76 هم الذين هللوا لها عند طرحها للتصويت لأننا لم نتخيل لماذا قد فصلت هكذا حينها.

و في الرياضة كما في الإعلام و الصحافة . تصدر القرارات لتحقيق المصالح .

و القضاء يحكم حسب الهوي حيناً و الهوية حيناً .

إذن مصر بلد مصالح و قرارات و لم تعد حتي بلد شهادات.

إن عرفت فيها شيئاً فهو بالصدفة و دون تأكد .

مصر في ورطة مع التاريخ . هذا لابد أن نتيقن منه. لقد خرجت من التاريخ الحديث. لا موضع للتراجع في التاريخ الحديث. و مصر تتراجع بشدة.

مصر في ورطة مع الجغرافيا . فلا هي واضحة المعالم إن كانت أفريقية أم عربية أم إسلامية أم نامية أم متخلفة . لا تستطيع أن تضعها في مجال إقليمي محدد .دولة لا هوية لها و لم تعد تنتسب للمكان و ما يمليه عليها من صفات .

مصر في ورطة مع القيم الدولية . فلا هي تنكرها و لا هي تلتزم بها . تعترف بها بل و تساهم في وضع بعض موادها بينما ( في شيزوفرانيا غريبة )تصدر القوانين المعطلة للقوانين الدولية التي ربما شاركت في مناقشاتهاو إقرارها و وقعت عليها .

مصر الإقتصاد في ورطة مع شعبها في الداخل . موارد مصر تتزايد و نصيب الفرد منها يتناقص؟ و يتحججون بالزيادة السكانية التي هي مصدر قوة لا ضعف متي أمكن إستغلالها كما تفعل الدول كثيفة السكان ( الصين - الهند - أندونيسيا - ماليزيا -روسيا) و مع وجود الفساد في كل الدول كثيفة السكان غير أن مصر تجد نفسها بلا حراك لمواجهة الفساد و الفاسدين و المفسدين) لذلك لم تنجح أي حكومة في مصر في مواجهة الفساد بل تراوح المجهود بين إنكار الفساد و بين الإدعاء فقط بمقاومته.

مصر السياسة في ورطة مع شعبها في الخارج فهي بلد من أعجب البلاد في تعاملها مع شعبها في الخارج . فهي تلفظهم و تدفعها بعيداً عنها . ثم تتمسح في الناجحين منهم و تستجدي المديح علي ألسنتهم؟ فإن لم يتجاوبوا كما تريد مصر فهم بين مارقين أو خونة أو عملاء ؟ و هي تبحث عن إستثماراتهم و تحارب وجودهم مجدداً كمستثمرين؟ لا يمكنني أن أعرف تفسيراً محدداً أو تسمية دقيقة لما تعانيه قادة مصر من أمراض فكرية و عقيدية سكبوها في سياسات ثبت حماقاتها.

يبقي أقباط مصر

أراهم كشعب يعبرون بين ضفتين . كتلة واحدة .محمولين بتاريخهم غير مشوه. و إنتماءهم غير منقوص. أراهم كأعجوبة متحركة باقون أحياء بهويتهم الواضحة. ناجحون في آمالهم و ناجحون في آلامهم.

هوية الأقباط يمكن أن تعيد لمصر هويتها. و مجتمع الأقباط نموذج ناجح لما يجب أن تعيشه مصر. الأقباط لم يخسروا من التشتت الذي تعيشه مصر بل ظهرت ملامحهم المتميزة لتجعلهم ملاذاً لمصر نفسها.

يظن البعض أن مصر هي ملاذ الأقباط و ربما كانوا محقين. و لكنني متأكد أن الأقباط اليوم هم ملاذ مصر.يحمون تاريخها الذي تهدمه التيارات الهدامة. و يحمون هويتها التي تشوهها السياسات الخرقاء. و يبقون لها سنداً فيما يهدم الحمقي كنائسنا و عقائدنا.

مجتمع الأقباط هو الذي يبقي مصر علي طريق الرجاء . و الحفاظ عليهم يجب أن يكون دور الجميع المسلم أولاً ثم المسيحي. الحفاظ علي الأقباط و حماية حقهم في مصر هو حفاظ علي الجميع . بل لإستبقاء حياة مصر ذاتها.

الأقباط لن يخسروا في كل الأوضاع المريحة أو المتعبة. المستقرة أو الحزينة لأنهم مجتمع متماسك له جذور و حضارة و هوية خاصة . و البلاد التي تحافظ علي جذورها تحافظ علي وجودها و تعبر من خلالهم مراحل عدم التوازن لذلك نري نظرة الدول المتقدمة للأقليات نظرة تقدير و ليس عطف أو هبة بل تتمسك بهم نجاة لها كما تفعل مع (الزنوج في أمريكا- الماوري في نيوزيلندا- الأقليات الكاثوليكية في أوروبا خصوصاً جنوب شرق أوروبا مثل دول يوجوسلافيا السابقة)

حتي أن المادة 17 من إتفاقية حقوق الطفل ( اليونيسيف) تلزم مخاطبة الطفل بلغة الأقلية الذي ينتمي إليها كحق من حقوقه و حفاظاً علي هويته الخاصة و تنشئة أجيالاً تنتمي إلي لغتها كأقلية.بل يقول نص المادة (يتمتع أطفال الأقليات و الشعوب الأصلية بثقافاتهم و دينهم و لغتهم بكامل الحرية)

الأقباط يربحون بالحفاظ علي جذورهم و مصر تربح بهم . لن يخسر الأقباط مهما فقدوا من ممتلكات أو أفراد . فالحرب بين الهلام و الجذور تنتهي دائماً بإنتصار الجذور علي الهلام مهما تكاثر الهلام و الهوام حوله.

فلنتكلم بلغة الواثقين لأن الأرض التي نقف عليها صلبة. و لنا جذور تحفظ توازننا مهما عصفت الرياح و تصاعدت المحن. فليكن فينا معرفة عميقة بإمكانياتنا كشعب له ثقافة خاصة و خبرات خاصة معيشية و قدرات خاصة تكونت عبر مخزون روحي و عقيدي و وطني ممتد منذ قرون.

المجتمع القبطي سيبقي في حقيقته غير معتمد علي الأشخاص . لذا لم تتأرجح هويتنا لفقداننا رموزاً نعتز بها كثيراً و طويلاً حتي بعد رحيلها عنا. لأن المجتمعات العريقة التماسك لا تستند في تماسكها علي الأفراد . بل يذوب الأفراد فيها متحدين وفقاً لمنطق العائلة الواحدة.و يؤيدنا في ذلك يقين روحي نتفق عليه و هو أن شعبنا صنعته الكنيسة و كنيستنا صنعها المسيح . فنحن ننتسب إلي مسيحنا من خلال كنيستنا. و لو فهم الوطنيون في مصر هذا المنطق لكانوا أول من ينادون بحرية بناء الكنائس لأنها مصدر وحدة العائلة القبطية و مكمن القوة المدخرة لصالح مصر.

أكرر لن يخسر الأقباط أبداً.

كيف يخسر أتباع من إنتصر علي الموت نفسه؟ لأننا ذرية الله .قيلت شعراً فيما قبل و الآن في مصرتجسدت تاريخاً ممتداً و ملحمة يومية نعيشها.لأننا ذرية الله.

الشمس لا تخسر إن حجبتها عن عينيك و لن تختفي إن أغمضت عيناك. ستبقي الشمس تطاردك أشعتها في ظلمتك لأنك مخلوق للنور إذ أنت إبن النور.شمس الأقباط تنير مصر و ستبقي لمصر نوراً و دفئاً و عمقاً لأن من قلب المسيح الممتلئ حباً تستمد الأقباط حياتها اليومية و تستند عليه و هي طالعة من البرية القفرة الخربة فيراها الحمقي و يتعجبون و يتسائل البعض عنها .من هذه الطالعة من البرية مستندة علي حبيبها . و ليتهم يرون حبيبها الذي يسندها و يسألون من هذا حبيبها فتنفتح أبصارهم.


المصدر: منتديات سنكسار

تعليقات

‏قال غير معرف…
الله يفتح عليك هو ده الكلام